عبد الملك الجويني
428
نهاية المطلب في دراية المذهب
فقال بعضهم : يقبضه المشتري ، ثم يباع عليه ، أو يبيعه بنفسه . وقال آخرون : لا يقبضه كما لا يشتريه ؛ فإن القبض أمر اختياري يؤثر في تأكيد الملك ؛ فينبغي أن يمتنع . فالوجه أن يأمر القاضي من يقبضُ المبيعَ عنه ، ثم يبيعه عليه . ولا يخفى على هذا الوجه أن يتخير في فسخ البيع ؛ فإن ما جرى من التعذر طارئاً لا ينقص عن إباق العبد قبل القبض . فهذا ما ذكره الأصحاب . والمسألة تستدعي مزيد تفصيل عندنا : فإن كان البائع مسلماً ، فالأمر كما ذكرناه . وإن كان كافراً ، فلو حكمنا بانفساخ العقد ، لقلبناه من كافر إلى كافر ، فلا ينقدح وجهُ الانفساخ إلا على بعد . وهو أن الانفساخ يقع قهرياً ، وقد ثبت للكافر ملكٌ قهري ، على المسلم . وهذا كلامٌ مطلق ؛ فإنا حيث نثبت الملك القهري على المسلم ، فسببه ضروريٌّ ؛ فإن العبد إذا أسلم في يد الكافر ، فلا سبيل إلى تخيره ، والقضاءِ بانبتات مِلكه . وكذلك إذا فرض إرث ؛ فقَطْعُ التوريث مستحيل . فأمّا فيما نحن فيه ، فالمطلوب من الانفساخ رعايةُ حرمة الإسلام . وهذا المعنى لا يزول بالانفساخ . 3356 - ومما يفرع على قول المنعِ أن الكافر لو ألزم ذمة المسلم بطريق الاستئجار عملاً ، جاز ذلك ؛ فإن الاستحقاق لا يتعلق بعين المسلم ، وله أن يحصله بغيره . وهل يستأجر الكافر عينَ المسلم على منع الشراء ؟ وجهان : أحدهما - لا يجوز ذلك ، كما لا يشتري مسلماً . والثاني - يجوز ؛ لأن الإجارة لا تفيد ملكاً في الرقبة ، ولا يتحقق بها الذِّلة . ولو كان فيها ذلةٌ ، لما جاز استئجارُ الحر ( 1 ) المسلم . ثم للإجارة منتهى محدود بخلاف الشراء . فإن قلنا : تصح الإجارة ، فهل يؤاجر عليه كما يباع عليه عبده المسلم ؟ فعلى وجهين : وتوجيههما يقربان من توجيه الإجارة في الأصل . وللمسلم أن يعير عبده المسلم من كافرٍ ، وله أن يودعه عنده . وذكر الأئمة وجهين
--> ( 1 ) ساقطة من الأصل . وفي ( ت 2 ) : استئجار الحر العبد . وفي ( ص ) : استئجار العبد .